ملا محمد مهدي النراقي
497
انيس المجتهدين في علم الأصول
أنّه هل يتوقّف على وجود المقتضي ، أم لا ؟ وقد وقع هذا الخلاف في تعليل العدمي بانتفاء الشرط أيضا ، كتعليل عدم صحّة البيع بعدم رؤية المبيع . فهنا مقامان : [ المقام ] الأوّل : في تعليل الوجودي بالعدمي . والحقّ فيه ما ذهب إليه الأكثر « 1 » ؛ لأنّا نرى أنّ العدميّات تكون مؤثّرة في بعض الأفعال الوجوديّة ؛ فإنّ عدم امتثال العبد أمر سيّده يكون باعثا على مؤاخذته . والجواب بأنّ الباعث هو الكفّ عن الامتثال وهو أمر ثبوتي محقّق « 2 » ، ضعيف ؛ فإنّ تأويل جميع الأعدام المقيّدة بالأمور الثبوتيّة ممكن ، ففتح هذا الباب يؤدّي إلى رفع العدميّات رأسا . احتجّ الخصم بأنّ العلّة يجب أن تتميّز ، والأعدام لا تتميّز . وبأنّه لا يجب على المجتهد سبرها ، مع أنّه يجب عليه سبر كلّ وصف يصلح أن يكون علّة . وبأنّ العلّيّة وجوديّة ؛ لأنّها نقيض اللاعلّيّة المحمولة على العدم ، فيمتنع اتّصاف المعدوم بها . وبأنّه لم يسمع أحد يقول : العلّة كذا ، أو عدم كذا . وبأنّ العدم لو كان علّة لحكم وجودي لكان مناسبا له ، أو مظنّة مناسب ؛ لأنّ العلّة بمعنى الباعث ، فهي إمّا نفس الباعث وهو المناسب ، أو ما يشتمل عليه وهو مظنّة . واللازم باطل ؛ لأنّ العدم المطلق لا يكون مناسبا ولا مظنّة ؛ لاستواء نسبته إلى الجميع ، والعدم المخصّص بأمر يضاف إليه هو كذلك ؛ لأنّ ثبوت الحكم مع وجود ذلك الأمر إن كان منشأ لمصلحة ، فعدمه لا يكون مناسبا له ولا مظنّة ؛ لاستلزامه فوات تلك المصلحة ، وإن كان منشأ لمفسدة ، فيكون هذا الأمر مانعا وعدمه عدم المانع ، وهو لا يصلح لأن يكون علّة بمعنى الباعث أو ما يشتمل عليه ، بل لا بدّ معه من مقتض « 3 » .
--> ( 1 ) . تقدّم آنفا . ( 2 ) . قاله الآمدي في الإحكام في أصول الأحكام 3 : 231 . ( 3 ) . قاله الفخر الرازي في المحصول 5 : 296 ، والأسنوي في نهاية السؤل 4 : 296 .